الشيخ ماجد ناصر الزبيدي
434
التيسير في التفسير للقرآن برواية أهل البيت ( ع )
انسجي لي مدرعة من شعر ، وبرنسا من صوف ، حتى آتي بيت المقدس فأعبد اللّه مع الأحبار والرّهبان . فقالت له أمّه : حتى يأتي نبي اللّه واستأمره « 1 » في ذلك . فلما دخل زكريا عليه السّلام أخبرته بمقالة يحيى ، فقال له زكريا : يا بنيّ ، ما يدعوك إلى هذا ، وإنما أنت صبي صغير ؟ فقال له : يا أبت ، أما رأيت من هو أصغر سنّا مني وقد أدركه الموت ؟ قال : بلى ، ثم قال لأمّه : انسجي له مدرعة من شعر ، وبرنسا من صوف . ففعلت ، فتدرّع المدرعة على بدنه ، ووضع البرنس على رأسه ، ثم أتى بيت المقدس ، فأقبل يعبد اللّه عزّ وجلّ مع الأحبار حتى أكلت مدرعة الشعر لحمه . فنظر ذات يوم إلى ما قد نحل من جسمه ، فبكى ، فأوحى اللّه عزّ وجلّ إليه ، يا يحيى ، أتبكي مما قد نحل من جسمك ! وعزتي وجلالي لو اطلعت إلى النار اطّلاعة لتدرّعت مدرعة الحديد فضلا عن المنسوج « 2 » . فبكى حتى أكلت الدموع لحم خدّيه ، وبدت للناظرين أضراسه ، فبلغ ذلك أمّه ، فدخلت عليه ، وأقبل زكريا عليه السّلام ، واجتمع الأحبار والرهبان فأخبروه بذهاب لحم خديه ، فقال : ما شعرت بذلك . فقال زكريا عليه السّلام : يا بنيّ ، ما يدعوك إلى هذا ؟ إنما سألت ربّي أن يهبك لي لتقرّ بك عيني . قال : أنت أمرتني بذلك ، يا أبت . قال : ومتى ذلك ، يا بني . قال : ألست القائل : إن بين الجنة والنار لعقبة لا يجوزها إلّا البكاءون من خشية اللّه ؟ قال : بلى ؟ فجدّ واجتهد ، وشأنك غير شأني . فقام يحيى فنفض مدرعته ، فأخذته أمّه ، فقالت : أتأذن لي - يا بني - أن أتخذ لك قطعتي لبود تواريان أضراسك ، وتنشّفان دموعك ؟ قال لها : شأنك ،
--> ( 1 ) أي أستشيره . ( 2 ) المنسوج : وهي الألبسة المتخذة من الشعر .